تأليف :
الإمام العلامة المحدث الفقيه كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري ( 742 - 808 هـ )
عني به :
اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والبحث العلمي
النجم الوهاج في شـرح الـمنهاج
وهو من أعظم شروح كتاب « المنهاج » للإمام الرباني محيي الدين النووي .
وكتاب « المنهاج » غني عن التعريف ، فهو من أُمَّات متون فقه الشافعية ، ويكفي أن نذكر أن شروحه نافت على مئة شرح ما بين مخطوط ومطبوع ومفقود .
إن من يطالع مؤلفات الإمام الدميري .. تتراءى له عبقرية هذا الإمام من خلال مباحثه ، ويأخذه العجب من تحريراته الفائقة ، التي تنمُّ عن فهم ثاقب ، وفكر نيِّر ، وحصافة فقيه . فقد فاق هذا الإمام معاصريه ، وزاحم الأقدمين على موائد العلم وميادين الإبداع ، فلم تتقاصر مرتبته عن مكانة كبارهم ، بل سما سُمُوَّهم ، وأضاف من غزير معارفه ما يرأب صدع تأخر زمانه ، ولسان حاله يقول : « كم ترك الأوّل للآخر » .
وأعجب من هذا وذاك : أنه ما تكلم في فن من الفنون . . إلاّ وتخاله متخصصاً فيه ، بل يظن من لا خبرة له بحقيقة الإمام الدميري أنه لا يحسن غير هذا الفن ، فهو بحق علاَّمة نحرير جامع ، وبحر طمطم لا ساحل له ، ويمكن القول بأنه لم يرَ في عصره مثل نفسه رحمه الله ورضي عنه .
« شرح المنهاج » يقع في عشر مجلدات ، جمع بين المعقول والمنقول ، واستقصى فأقصى ، واستوعب فأوعب ، وأتى بما هو من العجب العجاب أعجب ، وفصَّل المذهب الشافعي تفصيلاً .
أدرك من سبقه ، ولم يبلغ شأْوَه من لحقه ، ولا نكون قد جاوزنا الواقع إن جزمنا بأن هذا الشرح أجلّ شروح « المنهاج » على الإطلاق ، وأقواها سنداً ، وأعذبها أسلوباً ، وأوسعها شرحاً ، وأولاها قبولاً .
كيف لا .. ومحبِّر طرته وناظم عقود جواهره : الإمام العلم المحقق المدقق كمال الدين الدميري ، الجامع بين علمي المعقول والمنقول ، كاشف غوامض الإشكالات ، ورافع النقاب عن البحوث العويصات .
من شهد له القاصي والداني ، وأجمع على علو كعبه أقطاب المؤرخين ، وأعلام المؤلفين ، وكبار الشافعية المفتين .
وهو إمام عصره بلا مدافعة ، المطَّلع على حقائق الشريعة وغوامضها ، العارف بمقاصدها ، الخبير بمواردها ، البصير بحكمها وعللها ، والكل أجمع على فضله وسؤدده .
وهذا الشرح يغني قطعاً عن غيره ، ولا يغني عنه غيره ، فهو موسوعة فقهية ، ومجمع لنصوص الشافعية ، وأصل من أصول المذهب ، قوي الجذور ، داني الجنى ، رفيع البناء ، محبر بالمهمات الفقهية العزيزة ، والمسائل العلمية الجليلة ، والفوائد اللطيفة .
وهو شرح مطوَّل يمتاز بالجودة والإحكام ، والشمول وحسن السبك ، وجميل البسط ، يذكر فيه المسألة بدليلها وتعليلها ، مع عزو الحديث إلى مخرجيه .
وقد استوعب الإمام الدميري فيه ما يتعلق بالمتن أو يؤول إليه ، واعتنى به مع الاعتراضات عليه .
ثم إنه بيَّن بمفصَّله مجمله ، وأوضح بتحقيقه مشكله ، وقيد بتبيانه مطلقه ، وفتح ببيانه مغلقه ، مع جمال سبكه ، وسهولة عبارته ، ووضوح معانيه ، وحسن إشارته ، ومن رأى هذا الكتاب .. علم أنه كاسمه : نجم يهدي الحائرين ، وينير الدرب للطالبين ، حتى قال فيه مؤلفه :
وسميته : « النجم الوهاج في شرح المنهاج » تيمناً بقوله تعالى : ﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .
والخلاصة : أن في هذا الشرح من العمق والأصالة والإحاطة ما يتناسب مع جلالة المتن ، ورفعة مؤلِّفه .
فكما تميز الإمام النووي بمؤلفاته المباركة ، واختص « المنهاج » بالإتقان والتحقيق .. فكذلك تميز هذا الشرح بالجودة والإحكام ، والشمول ، وجميل البسط .
فللّه درّ من أَلَّفَه ، وجزاه خير ما يجزي الصالحين
وكتاب « المنهاج » هو عمدة متأخري الشافعية ، وعليه تعويلهم ، أتى فيه الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ بالعجب العجاب .
فقد أودعه المعاني الغزيرة بالألفاظ الوجيزة ، وقد حوى جل مقاصد مذهب الشافعي عليه سحائب الرحمة .
كما أن الإمام الدميري في كتابه « النجم الوهاج » عرض لذكر أقوال المذاهب الفقهية الأخرى ؛ استطراداً بما يجعل هذا الشرح مرجعاً للفقه المقارن ، بالإضافة إلى كونه موسوعة في فقه المذهب .
هذا ، بالإضافة إلى إتيانه بالترجيح والدليل بحسن سياق ، وجودة تحبير وتحرير ، حيث تجنّب الإسهاب الموجود في بعض كتب الخلاف ؛ اكتفاءً بها لمن أراد الاستزادة ، وصان كتابه عن ذلك .
فهو إيضاح لقديم أو تقديم لجديد ؛ وصولاً إلى ما وصفه في مقدمته أنه جمعه ليكون تذكرة للفقه الذي حصله وادّخره .
رحمه الله رحمة الأبرار ، وجمعنا به في دار القرار .
وأخيراً .. فقد قيض الله لهذا الكتاب المبارك لجنة علمية عملت على تحقيق نصوصه طيلة ثلاث سنوات ، فقد استخلصت هذا الكتابَ من المقابلة على ثماني نسخ خطية ، مع رجوع لمصادر المؤلف غالباً ، وإلى أمور أخر سيلمسها القارىء الكريم عند تصفحه لهذا الكتاب المبارك .
وكان من جملة العنايات كذلك : إلحاق كتاب « الابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج » للعلامة الإمام أحمد بن أبي بكر ابن سميط العلوي الحضرمي ؛ لما بين « النجم الوهاج » و« المنهاج » من وشائج الصلات .
وكذلك إضافة « سلم المتعلم المحتاج إلى معرفة رموز المنهاج » للعلامة أحمد ميقري شميلة الأهدل ، وكلا الكتابين مفتاح عون لفهم الأصل وشرحه .
نسأل الله السميع العليم أن يتقبل منا ما وفقنا إليه ، وأن يبهج قلب المؤلفَيْن بخدمة كتابيهما ، إنه سبحانه وتعالى خير مسؤول .
والله الهادي للصَّواب
|